أولى الناس بتعاطفي ونضالي هم أهل&#1610

Publié le par Uyidir

أولى الناس بتعاطفي ونضالي هم أهلي الأمازيغ
 
حوار مع الشاعرة الأمازيغية مليكة مزان
 
ـ س : ما هو المنبر الإعلامي الذي نشرت فيه لأول مرة ؟
ـ ج : لم أعد أذكر بالضبط أول منبر نشر لي ، قد يكون مجلة ˝ضفاف˝ أولا ، ثم بعض الجرائد الجهوية بمدينة بني ملال ، أو جريدة ˝العلم˝ بعد أن أرسلت إليها ببعض قصائدي بتدخل من أحد أصدقاء الدراسة الذي كان منخرطا في حزب الاستقلال ، والذي ختمها بطابع فرع الحزب بالمدينة حتى يضمن نشرها . لأفاجأ في ما بعد بجريدة للشبيبة الاستقلالية ، ربما هي جريدة ˝الاختيار˝ ( لا أذكر بالضبط اسمها ) تنشر إحدى قصائدي من غير علمي . وهو أمر لم يكن ليغضبني على اعتبار أنه كان وقتها خدمة مجانية لكاتبة مبتدئة مثلي ، كان من الصعب عليها أن تجد لها مكانا في الملحقات الثقافية لجرائد أحزاب لم أكن منخرطة في أي منها ، إن كان لابد لأي مثقف أن يصير منخرطا في حزب ما أو تابعا له حتى يحظى بما ينبغي من رضا وتشجيع ! ثم تلت هذه المنابر منابر أخرى كجريدة ˝المعركة˝ ، فجريدة ˝التجديد˝ ، فجريدة ˝النهار المغربية ˝ وبعض المجلات الأدبية .
 
ما أآخذ عليه نفسي الآن هو أني في بداية تجربتي الشعرية كنت أبحث عن أي منبر للنشر ، ولم أكن لأنتبه إلى حقيقة مفادها أن ثمة قناعات إيديولوجية وسياسية توجه دائما هذا المنبر أو ذاك ، على اعتبار أنه لسان حزب من الأحزاب أو جهة من الجهات ، نظرا لغياب كل وعي لدي ، ثقافي وسياسي كاف في تلك المرحلة ، للوفاء لانتمائي الأمازيغي .
 
كل هاجسي كان هو الرغبة في إثبات ذاتي الفردية كشاعرة ناشئة ، أو لأقل الآن ، صراحة وبكامل الدقة ، ذاتي كمواطنة أمازيغية مستلَبة ، لذا لم تكن لتهمني الوسيلة أو المنبر الذي سأنشر فيه .
 
وهو سلوك يكشف الآن أني كنت على جهل فظيع ـ لن أغفره لنفسي ـ جهل بكثير من الحقائق التاريخية وبالسيرة الذاتية لكل حزب متواجد في الساحة السياسية المغربية يصدر هذه الجريدة أو تلك ، وعلى جهل فظيع كذلك بما عرف عنه من مواقف غير مشرفة له على الإطلاق إزاء قضية وطنية قومية ومصيرية أؤمن بعدالتها أشد ما يكون الإيمان هي القضية الأمازيغية.
 
نعم كنت على جهل فظيع بكثير من الحقائق التاريخية التي هي في غاية الأهمية والتي أجدني الآن ، وفاء لانتمائي الأمازيغي وغيرة عليه ، آخذها بعين الاعتبار . هذا الأخذ الذي صار يحدد سلوكي الحالي ، ويملي علي كل اختياراتي ، ويقنن تعاملاتي مع هذا الحزب أو ذاك ، أو مع هذه الجريدة أو تلك .
 
هو جهل أتحمل الآن مسؤوليته وتبعاته ، كما أحمل قدرا من هذه المسؤولية للنخبة الأمازيغية المثقفة التي لم تكن لتتواصل ، وبالقدر اللازم ، مع مختلف فئات الشعب المغربي في المدن والقرى بهدف توعيته وتأطيره وتوجيهه وفضح أعدائه ، وإن كان لها بدورها أعذارها التاريخية التي لم يكن من السهل تجاوزها دون تضحيات جسيمة منها .
 
أو قد أقول ـ رحمة بي من لسعات الضمير ـ أني كنت فقط ، في تلك المرحلة ، ذات اهتمامات إنسانية تتجاوز انتمائي العرقي والثقافي ، ولكني حتى في هذه الحالة أجدني مخطئة بل وظالمة على اعتبار أن أولى الناس بتعاطفي ونضالي هم أهلي الأمازيغ ، وأنه كان علي ، تبعا لذلك ، أن أتجنب التعامل مع أعداء حقوقهم ومصالحهم من العرب والأمازيغ على حد سواء .
 
فعلا لقد فرطت ، بتعاملي سابقا مع بعض منابر النشر ، في كثير من محبتي لأرضي وغيرتي على انتمائي وثقافتي . وقد يعترض علي بعض الأمازيغ الآن ليقولوا بأني ما زلت أخون هذه الأرض ما دمت أكتب وأنشر باللغة العربية وفي كثير من المواقع العربية ، وهنا أرد عليهم بأن ثمة فرقا بين ماضي سلوكي وحاضره : إن تعاملي الآن مع أمثال هذه المنابر ليس تعاطفا معها ، وإنما هو اختراق لها من أجل دعاية مشروعة وحضارية فيها لقضيتنا العادلة . فليطمئن هؤلاء الإخوة : ليس مثلي من يخون وصايا الأجداد ودم الشهداء ! 
 
ـ س : ما هو الحافز الذي دفعك إلى النشر؟
ـ ج : قد تقصد ، ربما ، بالحافز هذا تعدد منابر النشر الآن واستقلالية كثير منها ، مع نسبة الحرية التي صارت تتمتع بها الصحافة في مغرب العهد الجديد ؛ كما قد تقصد إمكانية النشر الرقمي الذي صار مجالا سريعا وشاسعا للتواصل مع القراء في كل أنحاء العالم ، وفي شبه انفلات تام من مقص الرقابة ، بل وفي استغناء جميل ومريح عن تحمل تكاليف الطباعة والنشر والتودد لأصحاب الملاحق الثقافية بالجرائد الحزبية وغير الحزبية . وكجواب على هذا السؤال أقول بأني شرعت في النشر قبل أن تتاح كل هذه الحوافز والإمكانيات ، إمكانيات تبقى مكسبا مهما للإنسانية بعد كفاحها المرير من أجل حرية الرأي والتعبير ، كما أنها إمكانيات محفزة جدا لكل مثقف يرغب في القيام بواجبه دون أن يجد لتخاذله أو لتماطله ما كان يجده ، قبلُ ، من أعذار .
 
لكن يبقى الحافز الحقيقي للنشر هو نفس الحافز الذي يدفع للكتابة ، بل للتفكير في القيام بأي إنجاز آخر جميل ومفيد ، ومهما كان مكلفا . وليس هذا الحافز ، بالنسبة لي ، غير العشق الصادق لكل شبر من أرضنا الأمازيغية ، المقترن بالغيرة الشديدة عليها وعلى إنسانها المتسامح الوديع . هذا الإنسان الذي أعطاها أكثر مما أخذ ، هذا الإنسان الذي لن يرقى أي كان إلى ما هو عليه من هيام بها واستماتة حقيقية من أجل كرامتها وعزتها . هذا الإنسان الذي يستحق من مثقفينا وفاءهم ونضالهم ، وفاء لن يتم إلا بالتزامهم الكتابةَ الشجاعةَ عن همومه وطموحاته ، والوقوف إلى جانبه حتى ينال كامل حقوقه .
 
ـ س : كيف كان شعورك وأنت تطلعين على كتاباتك تنشر مذيلة بتوقيعك ؟
ـ ج : كان شعورا بالاعتزاز المصحوب بتنفس الصعداء ، خصوصا حين كنت ألاحظ ـ وأتحدث هنا عن تجربتي مع النشر الرقمي ـ أن توقيع نصوصي بانتمائي الأمازيغي لم يحذفه المشرفون على تلك المواقع العربية التي أنشر بها . وهو تحد رائع وإنجاز جميل بالنسبة لي . هو إنجاز صغير بل وتافه بالمقارنة مع بعض ما حققه المناضلون الأمازيغ الكبار لصالح الشعب والثقافة الأمازيغيين حتى الآن . ولكني ، وبالنظر إلى الحصار المضروب على الهوية الأمازيغية للشعب والأرض المغربيين ، أو بالنظر فقط إلى درجة الحساسية التي تعامل بها هذه الهوية ، أعتبره إنجازا حقيقيا لأنه على الأقل نجح في إثارة الانتباه في هذه المواقع ، وعبر كل أقطار العالم التي تفهم اللغة العربية ، إلى أن هناك شعبا أمازيغيا صامدا لم ينقرض بعد ، كما يخطط له في السر والعلانية . شعب له ، ككل شعوب العالم ، أرضه وتاريخه ، مفكروه ومبدعوه الذين نناضل ضد انتحالهم ، كما له ممثلوه وسفراؤه المنتشرون في كل مكان بأوربا وأمريكا ؛ ولأنه ( هذا التوقيع لنصوصي بانتمائي ) يقدمني إلى القارئ العربي ، ولكل ناطق بالعربية ، كشاعرة / سفيرة لأهلها الأمازيغ ، شاعرة / سفيرة تسخر إتقانها الكتابة الشعرية باللغة العربية للدفاع ، لدى كل من يهمهم الأمر أو يزعجهم ، عن الهوية الأمازيغية للأرض المغربية وللشعب المغربي ولكل شمال إفريقيا وجزر الكناري ، مع رفضها القوي والكامل لأي شكل من أشكال إقصاء شعبها ، أو أية درجة من درجات التواطؤ من أجل إبادته . كما تبلغ المتلقي العربي بالذات ـ ودائما بلغته التي يفهمها ـ أن هذا الشعب كان هنا ولن يبرح الـ’’ هنا ’’ ، وأن على كل من لا يرتاح لهذه الحقيقة أو يأبى التسليم بها أن ˝يشرب البحر˝ حتى ولو كان من بعض أقاربي العرب ، لأننا تعبنا من استجداء حقوقنا من غيرنا وعلى أرضنا ، بينما حقوق غيرنا مصونة لهم عندنا ، بل وأشهى خيرات أرضنا في بطونهم ، في حين ليس في بطون فقرائنا غير الحسرة على كل شبر منها فرط فيه الأولون !  
 
ـ س : كيف كانت ارتسامات المحيطين بك ؟
ـ ج : محيطي الأسري والعائلي على الأقل محيط يغيب عنه كل اهتمام بالثقافة والكتابة والنشر : كلما نشرت ديوانا لي وعلى حسابي الخاص ، أو تشبثتُ بحقي في الكتابة والنضال ، أو رأيت أن واجبي الوطني والقومي يحتم علي الاستجابة له ولنداء ضميري إلا وطُرحت علي أسئلة حول المردودية المادية لما أكتب ، وكأن الغاية من النضال والكتابة هو الربح المادي الخالص . أعرف أنه محيط مستلَب وقاس ، ولكني ألتمس له كل الأعذار لأنه ليس سوى ضحية للمنطق المغربي العام الذي له أولوياته وتقييمه الخاص للأشياء .
 
أما ارتسامات الذين تربطني بهم علاقة زمالة أو صداقة فكان منهم المشجع والناصح ، كما كان منهم أيضا المجامل المنافق ، بل والمنافس الحسود ، بل والخائن الذي ، بدل كل عون كنت أنتظره منه لمواصلة الكتابة ، أو لتحقيق تواصل أوسع مع الجماهير الأمازيغية التي نذرت كتاباتي للدفاع عنها ، لم يستحي ـ وقد كان يعتبر إلى وقت قريب من المؤمنين بعدالة القضية الأمازيغية ومناضليها الكبار ـ أقول لم يستحي من تسديد ضربات الغدر نحو صدري ، وفي صميم إيماني بضرورة التضامن الأمازيغي على جميع الأصعدة . ذاك التضامن الذي أحدس أنه سيغيب طويلا قبل أن نستفيق ذات عيد ، قد لا يأتي ، لنرى أبسط حقوق الشعب الأمازيغي تتحول إلى حقيقة وقد مضت عليها عهود وهي سراب : حقيقة إقرار اللغة الأمازيغية ، لغة الشعب المغربي ، اللغة الرسمية الأولى للبلاد . 
أجرى الحوار عبد العالي بركات صحفي بجريدة ˝بيان اليوم˝
   

Publié dans L'info de Tamezgha

Commenter cet article