لا ديموقراطية حقيقية بدون أمازيغ

Publié le par Uyidir

لا ديموقراطية حقيقية بدون أمازيغية رسمية

حوار مع الشاعرة الأمازيغية مليكة مزان .

أجرى الحوار رشيد عدناني أستاذ بجامعة بوسطن الأمريكية

على أن شتم الآخر لي شخصيا بسبب اختلافي العرقي والثقافي ، وفي كل المدن التي كانت تسكن بها أسرتي ، وكذلك انحداري من أسرة أمازيغية فقيرة بجبال الأطلس المتوسط حيث الفقر المدقع ، لم يكونا ليدفعاني إلى الإحساس بالخجل من ذاك الانتماء بل كانا دافعين قويين إلى الرغبة في رد الاعتبار له ، سواء بالتغني به والدفاع عنه ، أو بإظهار ما يكفي من النضج الحضاري في التعامل مع الآخرين ، بل إن حرصي على احتلالي دائما المرتبة الأولى داخل الفصل الدراسي في ما مضى من حياتي الدراسية وكتاباتي الآن وإصراري على توقيعي لها بأصلي الأمازيغي ليسا سوى شكل من أشكال احترام هذا الانتماء والانتصار له ضدا على كل احتقار وإلغاء وإذلال شأني في ذلك شأن كل الأمازيغ الأحرار داخل المغرب أو خارجه .

 


لقد كان ممكنا لهذا الانتصار أن يأتي كاملا لو كنت أبدعت نصوصي بلغتي الأم لغتي الأمازيغية ، ولكني لم أجد غير اللغة العربية وسيلة أتقنها نتيجة حتمية لسياسة التعريب المتبعة لدينا ، فوجدتني أستعملها وسيلة للرفض والصمود والتحدي ، ودفاعا عما تبقى من ملامحي الأمازيغية ومن شخصيتي المغربية أمام سياسة التعريب وجرائم الإلغاء والمحو .

 


إن اللغة العربية ليس لها أي حضور مقدس لدي . لقد كانت في نظري وما تزال مجرد وسيلة لا أكثر ، وسيلة أستغلها لإبلاغ رسالتي الإبداعية والإنسانية لأصحاب هذه اللغة أعداء هويتنا الأمازيغية وحقوقنا المشروعة . لذا أعتبرني كاتبة أمازيغية حتى النخاع ناطقة فقط بالعربية .

 


في كل ما ذكرت من إحساس بالقهر مع الرفض له ، ومن اعتزاز بالانتماء والتشبث به والغيرة عليه والرغبة في تشريفه أجدني أشبه إلى حد التماهي كلا من المرحومين محمد شكري ومحمد خيري الدين اللذين كانا يصران على ضرورة إنصاف ذاتهما بإرجاعها إلى الثقافة الأمازيغية رغم استعمال الأول للغة العربية ، والثاني للغة الفرنسية .

 


ـ س : إلى أي حد تعتبرين الكتابة بلغة أخرى غير اللغة الأم " منفى" لغويا أو ثقافيا ؟

 


ـ ج : اللغة كتجل من تجليات الثقافة لا تحدد فقط هوية جماعة بشرية ما وتميزها ، بل هي الضامن الأساسي لاستمراريتها وبقائها ، لذلك تعتمد استراتيجية كل غزو لتسهيل السيطرة على شعب ما ثم القضاء عليه على ما هو ثقافي بالأساس ، وما لغة أي شعب سوى جزء من ثقافته الكل .

 


إن النخبة العربية الحاكمة عندنا تسلك نفي الإستراتيجية الجهنمية التي يسلكها أي غزو للقضاء على الشعب الأصلي لكل أرض . فأن تفرض علينا هذه النخبة لغتها فرضا ، وتحاصر ، في المقابل ، لغتنا الأم حتى لتظل مجرد رموز في اللوحات الفنية والزرابي التقليدية ورسومات الحناء ـ إن ذكرتنا بشيء فلتذكرنا بأننا مجرد تحف فنية من مجد ولى وزمن مضى ـ وأن تستمر في سياسة الحصار تلك حتى لا نجد من وسيلة للكتابة وللتعبير عن ذاتنا سوى لغتها هي ليعتبر إبعادا ثقافيا بل نفيا أخطر من كل نفي لأنه بكل بساطة جريمة قتل .

 


وهكذا إذا كان من حق محمود درويش العربي أن يحن في منفاه إلى خبز أمه وقهوة أمه لأنهما من رموز الأرض التي شرد منها وبها وجوده وبقاؤه فأنا أجدني في منفاي الثقافي هذا ( أي حرماني من لغتي الأم من قبل هذه النخبة وعلى أرض أجدادي ) لا أقل حقا منه في الحنين إلى كل ما أفتقده من مقومات وجودي الكامل وداخل وطني وهو حنين مزدوج : حنين ـ مثل محمود درويش لا فرق ـ لخبز أمي وقهوة أمي على اعتبار أن أغلب الفقراء والمهاجرين المحرومين من خيرات المغرب وكل بلاد تمازغا من أصل أمازيغي بعد أن سلبهم العرب أراضيهم بوسائل مختلفة وتحت ذرائع شتى.

 

 

وهو حنين أيضا إلى لغة أمي وغناء أمي وحكايا أمي ورقص أمي وكل أشكال تعبير أمي ، وباقي الأمهات الأمازيغيات ، عن وجودنا الجماعي واختلافنا الثقافي ، أشكال إن استطعن الحفاظ بها على هويتنا الأمازيغية ، على مدى قرون من الغزو الثقافي العربي ، فإنها تواجه معنا الآن ، نحن الأجيال المعربة ، خطر الانقراض خاصة إن لم نسرع إلى تداركها ، ومعها وجودنا ، تداركا ليس له أن يكتفي بالاحتجاج والمطالبة بالإنصاف ، بل عليه المرور إلى تفعيل وجودنا وثقافتنا وكرامتنا بكل وسائل الضغط الممكنة ، لا بمجرد انتظار العفو والرحمة من النخبة العربية الحاكمة .

 


هنا اسمح لي أن أضيف بأنه كان من الممكن لي ـ تبعا لهذه القناعات وانسجاما معها ـ أن أتفهم سلوك أمازيغ المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية إزائي حين لم يلتفتوا إلى كتاباتي النضالية بأي شكل من أشكال التشجيع والاهتمام ، لو كان السبب الحقيقي في استخفافهم بتجربتي يكمن فقط في عدم كتابتي باللغة الأمازيغية . نعم كنت سأتفهم موقفهم وأحترم غيرتهم على لغتنا الأمازيغية لو لم يدعموا ، قبلي وبعدي ، شعراء آخرين يكتبون باللغة العربية أو بالدارجة المغربية أو حتى بالإسبانية ، شعراء لا يربطهم بالأمازيغية سوى التنكر لها وإهمالها . كنت سأتفهم موقفهم أيضا لو لم أعلم في ما بعد أن موقفهم مني كان لأسباب سياسية صرفة وأخرى لأسباب شخصية خاصة ببعض الباحثين .

نعم كنت سأتفهم موقفهم تماما كما تفهمت وجهة نظر السيد محمد بودهان ، مدير جريدة تاويزا وأحد المنسحبين الشجعان من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ، حين رفض نشر أشعاري المكتوبة باللغة العربية ، ولكن شتان ما بين محمد بودهان الغيور الصادق على اللغة الأمازيغية والمصر على الإبداع بها حفاظا عليها ونهوضا بها ، وبين أمازيغ ذاك المعهد الذي لا تستغل صفته الرسمية ولا إمكانياته الضخمة من أجل النهوض الفعلي والحقيقي بأمازيغية المغرب أرضا وشعبا وثقافة ، وبما كان منتظرا من المساواة بين مختلف لهجات وفئات ومناطق الشعب الأمازيغي . ذاك أنه معهد تغلب على اختياراته النزعة الجهوية العنصرية ، نزعة تعمق الجراح القديمة وتضيف جراحا أخرى لم نكن في حاجة إليها لنحس بمزيد من الغبن وفي عقر ديارنا وهذه المرة من طرف أهلنا الأمازيغ وذوينا !

ـ س : هل هناك فوائد ثقافية أو فلسفية في هذا الإبتعاد اللغوي/ الثقافي ؟

 


ـ ج : لا أعتقد أن الاقتصار الآن على الكتابة بلغة غير متداولةٍ وبحروفها الأصلية كاللغة الأمازيغية سيحقق للأمازيغ ما هم في حاجة إليه من التواصل مع الآخر بهدف تعريفه بوجودهم وبثقافتهم وبعدالة قضيتهم . وذلك راجع للوضعية المزرية التي تعيشها هذه اللغة بسبب الحصار المفروض عليها . فكم صدمت ، أنا التي أكتب باللغة العربية ، بأسئلة غريبة طرحها علي كثيرون من مناطق مختلفة من العالم بل ومن داخل المغرب نفسه أيضا ، أسئلة مثل : من هم هؤلاء الأمازيغ ؟ من أين أتوا ؟ أين يسكنون ؟ هل هم أقلية أم أغلبية ؟ هل بلدهم هو الجزائر ؟ هل انقرضوا أم مازالوا على قيد الوجود ؟! لذلك أرى أن هذا الابتعاد اللغوي / الثقافي على الرغم مما فيه من خيانة للغة والثقافة الأم مفيد جدا خاصة في تعريف الآخر بالذات والثقافة الأمازيغيتين كنوع من الترجمة المباشرة عن هذه الذات .

 


وأعتقد أن ذاك ما نجح فيه المرحومان محمد خير الدين ومحمد شكري في مجال الإبداع الأدبي . فقد عرفا من خلال كتابتهما بالذات الأمازيغية وظروف عيشها وآلامها وطموحاتها وكل ذلك من خلال اللغة الفرنسية أو اللغة العربية . فلو أن محمد شكري واصل الكتابة بالأمازيغية بعد تلك الجمل الأمازيغية التي استهل بها مثلا روايته الخبز الحافي لما حقق نفس النجاح الذي عرفته كتاباته عامة داخل المغرب وخارجه . بل إن الفضل في ذلك النجاح يعود إلى ترجمة روايته تلك وباقي كتاباته إلى اللغات العالمية الحية ، فحتى اللغة العربية التي كتب بها والتي يصر أبناؤها على إلحاقه بثقافتهم لم تكن لتسدي له وللثقافة الأمازيغية ما أسدته له تلك اللغات العالمية من انتشار.

 


إن هذا الابتعاد الثقافي يساعد الكاتب الأمازيغي على إيصال خطابه الإبداعي والإنساني الحضاري وبالدقة التي يريدها ودرجة الأمانة التي يتوخاها ، مختصرا بذلك كثيرا من الوقت والمجهود ، ومجتنبا كثيرا من الأخطاء الناجمة عن عدم قدرة الترجمة على نقل روح النصوص الأصلية وغاياتها النبيلة خاصة حين تكون تلك النصوص نصوصا شعرية ، وهو ما أستفيده شخصيا وثقافتي الأمازيغية من الكتابة باللغة العربية التي حاولت ، وما أزال ، أن أوصل بها معاناة شعبنا الأمازيغي إلى الأوساط الثقافية العربية وأتمنى أن أكون بهذا الصدد حققت بعض نجاح .

 


ـ س : كيف ترين مستقبل الكتابة باللغة الأمازيغية ؟

 


ـ ج : لاشك أن مستقبلها مرتبط بشكل وثيق بضرورة فرض تعلم اللغة الأمازيغية على كل طفل طفل مغربي ، وفي كل مستويات الدراسة ، وكذلك بتفعيلها في كل مرافق الحياة . وهنا لا بد من أن يقوم المسئولون ، كل في مجال اختصاصه ، بكل ما من شأنه أن يساعد على تحقق هذا الشرط إيمانا منهم جميعا بأن ما يقومون به واجب لا يقل عن باقي الواجبات الوطنية إلزامية ، وبأن كل تهاون في أدائه هو تهاون وتواطؤ ضد تحقيق الديموقراطية المرجوة . على أن مهمة تحقيق مشروع وطني كهذا تتطلب دسترة اللغة الأمازيغية وترسميها ، بهذا فقط يمكن لها أن تصير لغة الدولة والشعب والبيت والشارع ، والخلق والإبداع والتواصل اليومي داخل كل مؤسسات المجتمع . فلا إمكانية للكتابة باللغة الأمازيغية إن لم تصر هذه اللغة هي الحياة عينها ، تعاش في كل لحظة ، وفي كل مجال ، وفي وضح النهار تحت الحماية القانونية اللازمة أي دون أدنى حصار أو رقابة ، أو استخفاف وسخرية .

 


إن اللغة الأمازيغية من غير تلك الحماية القانونية اللازمة ستظل منحصرة ، كلغة خلق وإبداع ، في نخبة صغيرة جدا من المثقفين المغاربة ، وكلهجات تواصل شعبي في أسر ومناطق أمازيغية مازالت النخبة العربية الحاكمة تخطط بكل وقاحة لتعريب ما تبقى من وجدانها وشخصيتها وتلح على ذلك أي ما إلحاح . وهي وضعية لا شك أنها غاية كل المناوئين للهوية الأمازيغية للمغرب ولكل شمال إفريقيا أرضا وشعبا .

 


وهنا دعني أنتهز الفرصة لأوضح نقطة جد مهمة وهي أن هؤلاء المناوئين العرب ينسون أنهم ، ومهما كان أصلهم ، مواطنون أمازيغ وبالتالي فإن اللغة الأمازيغية التي يعادونها هي لغتهم أيضا . فكل فرد من أفراد الشعب المغربي حامل للجنسية الأمازيغية بالضرورة وذلك بحكم عيشه على الأرض المغربية وأقدمية تواجده عليها . فالأرض هي التي تمنح صفتها للإنسان لا الإنسان ؛ فنحن من حولنا نرى الدول الغربية المستقبلة للمهاجرين وللأجانب هي ما يمنح هؤلاء جنسيتها إما بحكم الولادة فيها أو العيش الطويل الأمد على أراضيها لا العكس .

 


لذلك لا أفهم منطق عرب المغرب وباقي شمال إفريقيا المقيمين على أراضينا حين يريدون أن تكون هذه الأراضي استثناء على هذه القاعدة ، أي أن تصير عربية بدل أن يصيروا هم أمازيغيين بحكم عيشهم عليها واستفادتهم من خيراتها . هنا يحضرني تصريح للرئيس الجزائري الحالي في إحدى خطبه مؤخرا في الشعب الجزائري يقول فيه : " نحن كلنا أمازيغ عربنا بالإسلام ". وهو تصريح ـ إن كان صحيحا حسب ما تزعم بعض المصادر ـ يسجل له ـ بعد جرائم القتل الفظيعة التي ارتكبها نظامه في حق الشعب الأمازيغي الصامد ، تصريح يحمل تباشير تحول شجاع في الذهنية العربية عامة مفاده ضرورة الاعتراف بأمازيغية شمال إفريقيا وكل شعوبها ، هذه الشعوب التي لم ولن تكون في النهاية سوى شعب واحد هو الشعب الأمازيغي الصامد.

 


وبهدف أن يقتنع عرب المغرب وشمال إفريقيا بعدالة القضية الأمازيغية أستشهد هنا بما يستشهد به أستاذ الأدب المقارن الدكتور أحمد درويش في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان : إنقاذ اللغة ‏..‏ إنقاذ الهوية ( واللغة عنده هنا هي اللغة العربية كما أن الهوية ليست سوى الهوية العربية ، وفي رأيي ورأي كل إنسان عاقل عادل أن ما يحق للغة والثقافة العربيتين في أوطانهما يحق أيضا وبنفس القدر للغة والهوية الأمازيغيتين على أراضيهما ) أقول أستشهد بنفس المقاطع ومن نفس القصيدة ، قصيدة الشاعر الصقلي إجنازيا بوتينا وعنوانها : لغة وحوار ، تقول ترجمتها ‏:‏

 


ضع شعبا في السلاسل / جردهم من ملابسهم / سد أفواههم‏.. / لكنهم مازالوا أحرارا‏ !‏ / خذ منهم أعمالهم / وجوازات سفرهم / والموائد التي يأكلون عليها / والأسرة التي ينامون عليها / لكنهم مازالوا أغنياء ! ‏/ إن الشعب يفتقر ويستعبد/عندما يسلب اللسان / الذي تركه له الأجداد / وعندها يضيع للأبد ‏!‏
   انتهى 

Publié dans poêsie Berbère

Commenter cet article