لا ديموقراطية حقيقية بدون أمازيغ

Publié le par Uyidir

 

لا ديموقراطية حقيقية بدون أمازيغية رسمية

حوار مع الشاعرة الأمازيغية مليكة مزان .

 

أجرى الحوار رشيد عدناني أستاذ بجامعة بوسطن الأمريكية
***
ـ س : كيف تعيشين تجربة الكتابة الإبداعية باللغة العربية دون التنازل عن هويتك الأمازيغية ؟

 

ـ ج : في منشوراتي الورقية السابقة لم أكن لأشير إلى أصلي الأمازيغي إلا بشكل خجول إذ لم يكن لدي وقتها هذا القدر من الإحساس القوي بالانتماء . حصل ذلك مرة من خلال إحدى قصائد ديواني الأول " جنيف .. التيه الآخر" ، ومرة ذات حوار أجرته معي جريدة الصباح المغربية ، ومرة أخرى

 

وأنا أنشر صورة لي على غلاف ديواني الثالث مرتدية فيها لباسا كتب عليه حرف الزاي الأمازيغي . والديوان عبارة عن قصائد / رسائل مفتوحة إلى مناضل أمازيغي . فعلت ذلك انسجاما مع محور الديوان وهو الدفاع عن عدالة القضية الأمازيغية . وقد مرت التجربة في هذه المرحلة دون رد فعل من طرف النقاد والقراء على حد سواء ، هذا على الأقل في حدود علمي الشخصي .


أما فيما يتعلق بالنشر الرقمي فقد تعمدت ، ومنذ البدء وفي كل المواقع الثقافية العربية ، أن أوقع كل نصوصي بانتمائي الأمازيغي ؛ وكان لجمهور القراء العرب وحتى بعض الأمازيغ ردود فعل قوية كلها رفض واستنكار . فعلت ذلك رغبة مني ملحة في رفض ظاهرة سادت وما تزال المجتمع الأمازيغي ، وهي ظاهرة مثيرة للاشمئزاز تتلخص في تخلي أغلب مثقفينا عن هويتهم الأمازيغية ، مع ما رافق ذلك التخلي من تقديم لمختلف أشكال الولاء لأسيادهم ومن خدمات مجانية جليلة للثقافة الأصلية لهؤلاء ، مسيئين بذلك أيما إساءة للهوية الأمازيغية وحقها في العلنية والاختلاف والكرامة والحياة .

 

لقد كانت التجربة اختبار صعبا ، ظهرت صعوبته بالنسبة لي في مدى قدرتي على مواصلة الاعتزاز بانتمائي العرقي والثقافي ، ومدى تشبثي بهما والدفاع عنهما ، مع ما كان يجره علي ذلك من غضب العرب العنصريين والأمازيغ المستلبين وتهميش الجميع لي . وهو وضع محرج كان علي فيه إما الإصرار على التشبت بهويتي الأمازيغية والصمود عليها رغم كل هذا التهميش والرفض الذي كنت أواجه به وإما التنازل عن تلك الهوية والقبول بأن يخضعني العربي لإرادته وهيمنته ، ويحسبني على منظومته الثقافية الخاصة به . مع ما يعنيه لي هذا الخيار الأخير من تراجع عن أداء رسالتي الإبداعية والنضالية ، بل من خيانة للجماهير الأمازيغية التي تنتظر من المثقف أن يكون صوتها الأمين والمدافع المستميت عن حقوقها ومصالحها.


في حين ظهرت صعوبة هذه التجربة / الاختبار بالنسبة للآخر العربي والأمازيغي في مدى قدرة الأول على الانفتاح على الثقافات الأخرى وتسامحه معها وإيمانه بضرورة الاعتراف بالآخرين المختلفين ، وفي مدى وعي الثاني بخطورة ما يحاك ضد بقائه وثقافته من مؤامرات الإبادة والمحو تحت ذرائع مختلفة .


أما في ما يتعلق بنتيجة ذلك الاختبار فبالنسبة لي شخصيا لا يمكن لي إلا أن أعتز بموقفي ، فقد أبديت وما أزال تشبثا صارما بانتمائي الأمازيغي وإيمانا قويا بعدالة القضية الأمازيغية ، بل وبالصفة الاستعجالية لضرورة الاستجابة للمطالب الأمازيغية أكثر من أي وقت مضى ، تشبثا طردت بسببه من ثلاثة مواقع ثقافية ، كما اضطررت معه إلى الانسحاب تلقائيا من موقع اتحاد كتاب الأنترنت العرب .

أما بالنسبة للعربي فإن نتيجة هذا الاختبار الثقافي كانت على العموم غير مشرفة . إذ سقطت عنه كل الأقنعة ، وبدا فظيعا برفضه لكل ما هو غير عربي ، وباستنكاره لكل دعوة لتصحيح ما ارتكبه العرب من أخطاء في حق الآخرين .

 

إن الآخر العربي لم يجد في إصراري على توقيعي نصوصي بانتمائي الأمازيغي سوى استفزاز له ، واعتداء سافر عليه ، وصفعة لم يكن ينتظرها ، ورآني أوجهها له ، مؤمنة بأنه قد حان الوقت لأن يستفيق لفظاعة مواقفه ، ولعنفه وعدم تسامحه ، هو المعتد كثيرا بعروبته ، هو الذي يأبى الاعتراف للآخرين بأي وجود خارج عروبته ودينه ، ولكنه لا يتردد في رفع صوته محتجا على كل انتهاك لحقوقه ، أو مصادرة لأراضيه ، أو هجوم على مقدساته ، أو تهديد لثقافته وتميزه . بل كان من المثقفين العرب من سمحت له نفسه أن يتجاوز كل ذلك إلى الشتم والسب في حقي ، وفي حق الثقافة والشعب الأمازيغيين ، وكذلك في حق الشعب الكردي نظرا لعلمهم بعلاقة النضال التي صارت تربطني ببعض الشعراء الأكراد ، هادفا بذلك إلى إهانتي وثنيي عن مواصلة نضالي وأداء رسالتي .


إذا كان ذاك هو موقف الآخر العربي فإن بعض المحسوبين على الانتماء الأمازيغي أبدوا كثيرا من الجبن والتنكر للهوية الأمازيغية متملقين بذلك لأصحاب المواقع الثقافية ، ومدافعين عن موقفهم بضرورة التسامح وعدم التعصب ، وهما عنصران أراهما دائما يتحققان من طرف واحد هو الطرف الأمازيغي . أما الطرف العربي فكل محاولة لاسترداد الذات الأمازيغية لنفسها من كل اغتراب وإقصاء ، وكل محاولة منها لحماية هويتها وثقافتها ، وبالتالي وجودها ، كانت ـ وماتزال ـ تعد في نظر العربي عامة مجرد رغبة في إشعال فتيل الحرب الأهلية ليس إلا . وما إلى ذلك من الاتهامات التي يرمى بها الأمازيغ الغيورون ، والتي تعودوا عليها كما تعودوا الاستخفاف بها لأن ما هدفها سوى ثنيهم عن التمادي في كل مطالبة مشروعة بكل حق لهم طبيعي .


ـ س : ما هي بعض الصعوبات " العنصرية " التي اعترضت طريقك لإثبات مكانتك كشاعرة أمازيغية تكتب باللغة العربية ؟


ـ ج : عند ظهور أولى نصوصي والتي تحمل على عاتقها مسؤولية الدفاع عن كرامة الإنسان الأمازيغي ظهر إقبال على كتاباتي من طرف المتلقي المغربي ، وذلك على الأقل بالجهات التي يتواجد فيها الأمازيغ بكثرة والتي مازالوا يتمتعون فيها بروح غيورة على كل ما هو أمازيغي من أرض وتاريخ وثقافة . لكن وموازاة مع ذلك الإقبال تمت عرقلة كل ما من شأنه أن يشجع كاتبة أمازيغية على التمادي في خطابها الشعري الأمازيغي الروح ، العربي اللسان ، الشجاع المواقف.


لقد بدا واضحا في ما بعد أن ما لمسته من تسامح من طرف بعض الجرائد التي نشرت نصوصي ، وكذلك من بعض المثقفين والمسئولين المغاربة الذين شجعوني ، عربا كانوا أو أمازيغا ، لم يكن بريئا بل لغرض تجاري صرف أو لمصلحة شخصية أو لمجاملة عابرة ليس بإمكانها أن تقدم الشيء الكثير لتجربتي ، بل كان تشجيعي بالنسبة للبعض منهم خطأ لا بد من تصحيحه سواء بتجاهل لاحق ، أو بإقصاء لازم ، أو بنصائح صادمة انبعثت منها رائحة الخيانة قوية واضحة . ذلك أنهم لم يكونوا ليجدوا في أشعاري واجبا وطنيا ، ولا موقفا إنسانيا شجاعا ، بل مجرد كتابة ذات نزعة حالمة أو نعرة عرقية عنصرية أو حتى مجرد مراهقة متأخرة يجب أن تغتفر لي في انتظار نضجي الآتي !


هذا على مستوى النشر الورقي واللقاءات الثقافية ، أما على مستوى النشر الرقمي فالممارسات العنصرية كانت جد مؤلمة ، خاصة وأنها صدرت عمن يعتبرون أنفسهم من كبار المثقفين العرب . فما أن انتبه هؤلاء إلى الحمولة الأمازيغية لكل نص أنشره ، موقعا باسم شاعرة أمازيغية ومن المغرب الأمازيغي الكبير ، حتى انهالت علي استفسارات لم يمض عليها بعض وقت حتى تطورت إلى اعتراضات قوية ، فاتهامات خطيرة ، فشتم وتجريح بهدف لا النيل فقط من تجربتي الشعرية ومن قناعاتي الراسخة ، بل ومن عرضي كامرأة أمازيغية تبدو لهم ساقطة ، لا غاية لها ، في نظرهم ، غير إفساد الأخلاق والدين والمجتمع . كما تجاوزوا شخصي إلى الإساءة إلى كل الأمازيغ وللثقافة الأمازيغية .

 

بل كان منهم من بعث إلي برسائل إلكترونية يضمنها رفضا واستنكارا ، أو شتما وتهديدا أو تحرشا جنسيا أو دعوة إلى الاهتمام بالقضايا العربية . رسائل اضطررت معها إلى التخفيف من نزعة التمرد والرفض في بعض النصوص أو حتى حذف نصوص بكاملها ، فقط مخافة أن أتسبب للهوية الأمازيغية في عكس ما كنت أنوي إنجازه من أجلها ، وذلك جراء ما قد يبديه كل قارئ متسرع من سوء فهم ، أو ما قد يصدره من حكم لا يتعدى ظاهر النص إلى ما تحمله روحه من قيم إنسانية أخلاقية عالية .


أضف إلى ذلك ، كمظهر من مظاهر التعامل العنصري مع تجربتي ، ما ألاحظه من غياب النقد النزيه البعيد عن كل التأويلات الإيديولوجية الظالمة . فبالرغم من أصالة كتاباتي ، وحسب أقوال وتعاليق المناوئين أنفسهم ، سواء من حيث الموضوعات المتطرقة إليها أو درجة الصدق والعمق التي تناولت بها تلك الموضوعات ، فإن هذه الكتابات لا ينتبه لها النقد الجاد النزيه وبالشكل اللائق بها . 
 

كما أن الذين يراسلونني وأمدهم بما يجب من نصوص أو كتب لإنجاز ما يقترحونه من دراسات لا يفون بما يعدون به ، أو لا يتمكنون من نشر ما يكتبون سواء كان دراسة نقدية جادة أو قصائد تضامن معي أو حوارات أدبية أو مجرد تعاليق حول ما أنشر هنا وهناك وذلك بسبب الرقابة التي تجد في كتاباتي وفي كل تضامن معي أو تشجيع لي خطرا على الوجود العربي في شمال إفريقيا .


ولعل ما قامت به بعض المواقع من إغلاق لأبوابها في وجهي ، أو حذف لكل نصوصي المنشورة بها حين فطنت لروحها الأمازيغية القوية ليعتبر في نظري من أقوى مظاهر العنصرية الناتجة عن الخوف من الانبعاث الأمازيغي ومن سوء الفهم لعدالة المطالب الأمازيغية .


ـ س : هل وجدت / تجدين نقاط تشابه مع كتاب أمازيغيين آخرين كتبوا / يكتبون بلغات غير الأمازيغية مثل محمد خير الدين ، محمد شكري ، مولود معمري ، كاتب ياسين ، مثلا ؟


ـ ج : أعتز أيما اعتزاز بالمرحومين محمد خير الدين ومحمد شكري ، وما تذكيري القارئ العربي بأصلهما الأمازيغي في كل مناسبة يذكر فيها اسمهما سوى شكل من أشكال ذلك الاعتزاز ، أما الكاتبان الآخران فلأسف لم أسمع بهما ، ربما لقلة اطلاعي أو لتقصير الإعلام والنقد في التعريف بكتابنا الأمازيغ الذين إما يطالهم التجاهل والنسيان ، أو يحسبون على ثقافات أخرى حسب اللغة التي يكتبون بها لصالح تلك الثقافات ، وتفقيرا لثقافتنا الأم ، وبالتالي الحكم عليها بالاندثار التدريجي .


أما سؤالك عما يمكن أن يوجد من تشابه بيني وبين هؤلاء فأقول بأن التشابه حاصل فعلا . لا أبغي بذلك أن أرفع من قدري بالشكل الذي يجعلني من وزن هؤلاء الكتاب الأمازيغ الكبار ، بل لأسجل فقط تشابه الظروف الاجتماعية والنفسية التي خلقت منا جميعا هؤلاء الكتاب الأمازيغ ذوي الاتجاه المتميز والذين لم يكتبوا بلغتهم الأم ومضوا ، الأحياء منهم والأموات ، وفي صدرهم ما يشبه حسرة مفادها لو أنهم أخلصوا لهذه اللغة بجعلها الوعاء المشرف لتجربتهم الحياتية والشعرية ، واتخاذها الوسيط الأمين الوحيد بينهم وبين الذاكرة والشعب الأمازيغيين .


نعم أشبه هذين الكاتبين بما أحسا به وكباقي الأمازيغ من غبن وعنصرية معالمها الإقصاء والتفقير وكل أشكال إهانة الأمازيغ وهم على أرض أجدادهم . فمنذ طفولتي المبكرة وحتى مرحلة الدراسة الثانوية كنت أتعرض للشتم بسبب أصلي الأمازيغي ، مما كان له الأثر السيء على نفسيتي . وهو سلوك عنصري ما زال ، للأسف ، ساريا في المجتمع المغربي ، ولم تسن لحد الآن أية قوانين لردعه ومعاقبته ، تمعنا من السلطات في استخفافها بمشاعر وكرامة الإنسان الأمازيغي . إنه سلوك يقوي الإحساس بالاختلاف وبالظلم ، بل الإحساس بضرورة التمرد والاحتجاج دفاعا عن كرامة الوجود الأمازيغي خاصة وأن ذلك السلوك يمارس على هذا الوجود وهو على أرضه وفي عقر داره.

وكم يصير التمرد حقا مشروعا حين نلاحظ أن تلك الشتائم والإهانات تصدر من أولئك المنحدرين من أسر عربية غنية ، أسر تستغل خيرات البلاد وتذيق السكان الأصليين الكثير من البؤس بسبب سياسة التهميش المتبعة ضدهم ، وهي شتائم كانت وستظل مصدر إحساس بالغبن ودافعا لكثير من التمرد والرفض .     يتبع لا ديموقراطية حقيقية بدون أمازيغ 2

Publié dans L'info de Tamezgha

Commenter cet article