حوار مثير مليكة مزان

Publié le par uyidir

la suite de l'interview حوار مثير للشاعرة الأمازيغية مليكة مزان

 

ـ س : غالبا ما تعرضت نصوصك إلى انتقادات يغلب عليها الطابع الانفعالي أكثر مما هي آراء نقدية أدبية تتناول الجانب الجمالي في النص كنص يتميز بصوت متمرد جريح وعنيد . هل هذا الانفعال راجع إلى غياب أقلام النقاد أم أنه لازالت هناك خلفية يحكمها تراكم إيديولوجي سياسي بعيد عن النقد الأدبي ؟

 

ـ ج : من الطبيعي جدا أن يطمح كل مبدع إلى أن يلتفت النقاد إلى تجربته ، وكم يكون سعيدا إذا ما وجدهم يقومون بذلك وبشكل موضوعي وجاد ، فالتفات النقاد إليها بهذا الشكل مقياس نجاح تجربته في فرض نفسها وجلب الأنظار إليها ، ودليل على أنها إضافة تستحق استغوارها ، والوقوف عندها للكشف عن قيمتها الفنية والفكرية .

 

بالنسبة لي لم تجد تجربتي ولحد الآن من يقف عندها وقفة موضوعية منصفة . كثير من الذين اطلعوا على نصوصي يبدون إعجابا يصل بعض الأحيان حد الاندهاش ، والإشادة بأصالة التجربة وتفردها ، وبكونها إضافة نوعية إلى الكتابة الشعرية ، سواء داخل المغرب أو عبر ما يسمى ظلما بالعالم العربي . ولكن إشادتهم تلك لم تتجاوز كونها تعليقات عابرة ، أو كتابة بضعة سطور في تقديم ديوان ، أو إنزال خبر صدور ديوان لي جديد بإحدى الجرائد أو المجلات أو المواقع الثقافية .

 

إلا أني مؤخرا ، ومن خلال نشري لكثير من قصائد ديواني الأخيرين في مواقع ثقافية عديدة على شبكة الأنترنت ، وجدت قراء كثيرين يقفون عند نصوصي سواء كمجرد قراء متذوقين أو كنقاد محترفين . ومن القراء والنقاد من كان المعجب الصادق والذي ظل وفيا لنفس الموقف على امتداد كل النصوص المنشورة هناك ، وعلى رأسهم القاص التجريبي الأمازيغي إسماعيل غزالي ، والشاعر الأمازيغي حسين أكروح ، والناقد التونسي فوزي الديماسي ، والشاعر السعودي محمد خضر ( وقد أبان هذان الأخيران ، وهما كاتبان عربيان ، عن تسامح ثقافي نادر ونضج إنساني كبير) وكذلك الشعراء الأكراد عبد الستار نور علي ، وهوشنك أوسي ، ومحمود عبدو عبدو ، ومصطفى إسماعيل .

 

كما كان فيهم النقاد المجاملون الذين سرعان ما انفضحت مجاملتهم بمجرد ما انتبهوا إلى كوني أصر على توقيع نصوصي بانتمائي الأمازيغي ، وإلى ما تحمله هذه النصوص من رسالة إنسانية ذات هموم وانشغالات أمازيغية صرفة . وأذكر هنا بالخصوص الكاتب المغربي عبد الحميد الغرباوي ، والناقد المصري محمد جاهين بدوي ، والقاصة التونسية آسية السخيري ، والكاتب التونسي كمال العيادي ، والقاص المغربي نور الدين وحيد . فقد تغير موقف هؤلاء من تلك النصوص وانقلبوا ينتقدونها من جديد لا على ضوء خصائصها الفنية ، بل انطلاقا من قناعاتهم الإيديولوجية وأحقادهم العنصرية . مما جعل بعضهم يسقط في ما هو أفظع من كل ذلك وهو التجريح والقذف ، والشتم والسب في حق شخصي وانتمائي الأمازيغي واختلافي الثقافي ، بل وفي حق الشعب الأمازيغي وكل الشعوب المضطهدة التي تعيش تحت أنظمة الحكم العربي ومنها بالخصوص الشعب الكردي الصامد ، مما فضح حقيقتهم وكشف أي نوع من المثقفين والنقاد هم .

 

لقد صدمت عميقا وخرجت بخلاصة ، إن ليس من حقي تعميمها ، فمن حقي على الأقل تسجيلها وهي تدني المستوى الأخلاقي لبعض المثقفين العرب ، تدن ماتت معه ضمائرهم وتجلت فيه خيانتهم لرسالتهم الإبداعية والإنسانية . إن أغلبهم ينشغلون بالتافه من المواضيع ويعمون عن كل الفظاعات التي ترتكب أمام أعينهم ، وليس لهم من هم سوى تبادل المجاملات ، والتسابق إلى الألقاب والجوائز ، أو تبادل الشتائم والتهم ، أو في أحسن الأحوال الانسحاب ولزوم الصمت ، في الوقت الذي تحتاج فيه الجماهير المستضعفة إلى أقلامهم الحرة النزيهة الجريئة بعد أن يكون رجال السياسة قد خانوا آماناتهم ، لتظل هذه الجماهير المقهورة بلا سند ولا أمل .  

 

ـ س: ما هي مشاريعك المستقبلية كشاعرة لها حضور قوي في ميدان النشر الرقمي ؟

 

ـ ج : النشر الرقمي مرحلة لا بد أن يدخلها كل كاتب له طموحه المشروع في الانتشار الكبير ، خاصة وأن المزية الأولى للنشر الرقمي هي إمكانية النشر وسرعته . وهنا أعترف أن ما حققته شخصيا من شهرة نسبية سأظل مدينة به للمواقع التي نشرت بها ، فهذه الأخيرة جعلتني أتحرر من ذاك الإحساس القاهر بالإقصاء والذي تمارسه بعض مؤسسات النشر ، أو بعض منظمي الملتقيات الثقافية ، ملتقيات لا يستدعى لحضورها سوى ذوي العلاقات الوطيدة وأصحاب الكلمة النافذة في الأوساط السياسية والثقافية .

 

ولكن ، وبعد أن طردت من ثلاثة من هذه المواقع عربية وأمازيغية أيضا (!) ، وكذلك بعد انسحابي من اتحاد كتاب الأنترنت العرب ولم يمض على تواجدي به سوى بضع ساعات ـ بسبب إصراري على أن أكون لسان حال الشعب والثقافة الأمازيغيين ورفض البعض هناك لاختلافي العرقي والثقافي ـ لم أعد أتحمس كثيرا لمواصلة النشر الرقمي وبالشكل المكثف الذي كان يتم به ذاك النشر.

 

فقد لاحظت ، فيما بعد ، أن هناك ، وللأسف ، رقابة مباشرة حتى في النشر الرقمي ، رقابة عنصرية تحول دون إصرار ما تبقى بيننا من المثقفين الغيورين على أداء رسالتهم ، رقابة تتذرع بحجج واهية مفادها ضرورة الوفاء لشروط التسجيل واحترام الأخلاق السائدة والمشاعر القومية والعرقية للعرب العنصريين ( ولتذهب المشاعر الوطنية والقومية للأمازيغ ، حسب هذه الرقابة ، إلى الجحيم ) ، وما إلى ذلك من العراقيل التي تكرس الظلم والكراهية ، وتخدم مصالح أقلية لا تستحيي من إقصاء فئة غالبة ، كما لا تستحيي من الانتصار لقيم بائدة ضدا على قيم جديدة عقلانية وشجاعة ، همها الوحيد في كل ذلك لا سعادة المجتمعات البشرية وخلاصها ، بل الإبقاء على الأوضاع المتخلفة والتنكر لحقوق كل الفئات والشعوب المستضعفة.  

 

إن شروط بعض المواقع ( وخاصة منها موقع دروب ) شروط تكيل بمكيالين ، تتسامح مع البعض وتحاصر البعض الآخر ، وبشكل مسيء جدا لسمعة تلك المواقع ، ومن يقف خلفها من أفراد أو حكومات ، ومن إيديولوجيات مغرقة في التعصب ورفض الاختلاف ، إيديولوجية عدوة للإنسان ولقيم الحرية والعدل والتسامح ، خانقة لنداء العقل ، هذا العقل الذي تمنحه عطلة مفتوحة لا نجني منها جميعا سوى الألم والخسارات الفادحة.

 

هذا بالنسبة لموقفي من النشر الرقمي ، ذاك أني أقتصر الآن على النشر في موقع واحد هو موقع الحوار المتمدن نظرا لمساحة الحرية والتسامح المتوفرة فيه ، ونظرا لرغبتي في التضامن مع كل موقع يعاني ما يعانيه من حجب في بعض الدول العربية المناهضة للعقلانية وللعلمانية ولكل قيم الحداثة .

 

أما بالنسبة للكتابة في حد ذاتها فهناك أمامي أكثر من مهمة ستأخذ مني ما يلزم من الوقت ، وهي تتوزع ما بين كتابة رواية عن القضية الأمازيغية تستلهم تجربتي الحياتية والنضالية الخاصة ، ونشر مجموعة من الرسائل بعثت بها لأشخاص وجهات مختلفة ، والسفر لمنطقة أزيلال ، مسقط رأسي بين جبال الأطلس ، للبحث في تراثها الأمازيغي المحلي وتدوين ما زال صامدا منه أمام عوامل الانقراض والتلاشي . وأتمنى أن أجد الإرادة الكافية لأفي بوعدي لنفسي وللآخرين بكل هذه المهام على أن أنجزها بنفس الإخلاص والجرأة التي اشتغلت بها لحد الآن والتي جرت علي كثيرا من شتائم العرب العنصريين وخذلان الأمازيغ من المتواطئين المستلبين .

 

ـ س : الأمازيغية ذاكرة ، وشم ، أم وجود ؟

 

ـ ج : الأمازيغية كل هذه الأشياء بل وأكثر ، هي أرض وعشق ، هي دين ونبل ، هي التزام وأمانة ، هي تسامح واحترام ، هي نضال وصمود ، هي انخراط في حرب رائعة ضد إبادة الشعوب والثقافات الأصلية ، هي دفاع لن يكل عن كرامة الإنسان ، هي كل شيء جميل ... ولكن مع الحصار المضروب عليها أخاف أن تتحول الأمازيغية إلى مجرد لعنة نتحمل تبعاتها المرة في مدننا وقرانا ، في سهولنا وأعالينا ، في ودياننا وصحارينا ، في استقرارنا وترحالنا ، ودون أن يتخذ وجودنا في ظلها أي معنى غير معنى الرضوخ والانمحاء من أجل سيادة الآخرين ، أو على الأقل أخاف أن تظل مجرد نضال يستغرق المستقبل كله ، كما استغرق الماضي كله ، حتى نمنح الأجيال الأمازيغية القادمة شبر ظل تحت شمس كرامة ، قد لا تبزغ وسط كل هذه العتمة من الجحود المر والقتل العمد .

 

ـ س : في ظل تحديات هذا القرن كيف تتصورين مستقبل الأمازيغية ؟

 

ـ ج : مستقبلها ، وبلمسة تشاؤم لها ما يفسرها ، غامض الملامح ومرتبط بقدرة الأمازيغ أنفسهم على الرفض إلى أبعد مداه ، ذاك المدى الذي تعود معه الأرض الأمازيغية أمازيغية كما كانت ، وكما هي ، وكما يجب لها أن تبقى . مستقبل الأمازيغية هو مستقبل الأرض الأمازيغية .. هوية وذاكرة ، ثقافة وإنسانا ، وحدة وسيادة ، مجدا وكرامة . فمن غير هذه الملامح مجتمعة لن يعود أمامنا من شيء نفعله سوى أن نشيع جنازتها ـ التي هي جنازتنا ـ وبدون أي نفاق يذكر ، لأن حياتها و موتها بأيدينا ، نحن الأمازيغ ، قبل أي طرف آخر . إن الوجود الحق هو انتزاعه وممارسته لا استجداؤه من جهات نعرف أنها لن تجود به قط إلا استردادا بالقوة.

 

ـ س : بأي لغة تصرخين لحظات الغضب ؟

 

ـ ج : منذ أن فقدت ثقتي في الصلاة عامة ، وفي إله ودين العرب ، صرت أصرخ بلغات ثلاث لا رابع لها : القصيدة العاهرة ، كسر أواني المطبخ ، البصق حولي كلما عضتني قسوة الأشياء أو أفقدني صوابي خبث المكان واللحظة والآخر الكريه ، أقول الكريه لسبب واحد : قسوته وإصراره على رفضه لي ، وجحوده لحقوق شعبي وأرضي في الوقت الذي يتمتع هو فيه وقومه وثقافته بكامل اعترافي !

 

ـ س : هل الرقابة الممارسة عليك  تجعلك أكثر قوة عكس ما ينتظره منك صاحب الرقابة ؟

 

ـ ج : لا أدعي أن كتبي الورقية قد منعت من النشر ، ولكني أعتبر ما قدمه لي أحد المحسوبين الكبار على الحركة الثقافية الأمازيغية من نصح لجعلي أتخلى عن كتابة القصيدة الملتزمة ، إلى جانب استخفاف أمازيغ المعهد الملكي بتجربتي ، بل إساءة بعض أساتذته الباحثين إلى شخصي ، دون أن يوجه لهم أي إنذار أو يصيروا موضوع أي عقاب ، وكذلك التعامل العنصري لبعض المثقفين العرب مع ما أنشره على شبكة الأنترنت ، وعلى رأسهم كمال العيادي رئيس تحرير القسم الأدبي بموقع دروب الذي كان يتصرف في نصوصي والذي عمل في ما بعد على حذفها كلها من موقع دروب ، مع الاحتفاظ بالشتائم التي وجهه إلي بعض القراء الجهلة شماتة منه بي ، أقول أعتبر كل هذه التصرفات نوعا من الرقابة العنصرية ، هدفها اغتيالي .. مثقفةً غيورة ، وضميرا إنسانيا حيا ، ومناضلةً شجاعة ، وصوتا أمازيغيا منتفضا ، وهويةً صامدة ، وحقا مشروعاً في الاختلاف وفي الحياة .

 

ولكنها رقابة فات هؤلاء جميعا كونها مثل صب البنزين على النار الملتهبة أصلا ، فمع كل رفض وكل حصار ، وكل إقصاء وكل تهميش ، وكل عنصرية وكراهية ، وكل خيانة وخذلان من طرف بعض الأمازيغ أنفسهم ( سامحتهم الأرض ) ، لا أزداد سوى إصرار على تأدية رسالتي الإنسانية والثقافية ، وبكل ما لدي من قوة وإيمان ؛ بل لا أزداد أحيانا ـ تحت كل هذه الضغوطات النفسية ـ إلا كفرا وتمردا ، إلا تطرفا ورغبة في إشعال نار الثورة والتحرر حتى يكون الشعب الأمازيغي أو لا يكون .

 

ـ س : ما هي الأشياء التي تفرحك ؟

 

ـ ج : كثيرا ما أحسني كائنا روحانيا ساميا لذلك لا أجد لدي أي طموح مرتبط بالماديات . أكتفي بنضالي وانتصاري لقيم الجمال والحق والخير مصدرين للسعادة . إني لأجدني سعيدة حقا .. مع كل قصيدة ملتزمة ناجحة ، بعد كل حق يعاد لأصحابه ، بين ملامح فرح ترتسم على وجه طفل يتيم ، في حضن كل عاطفة نبيلة صادقة ، في ظل كل منطق سليم يعيد الأشياء للمناسب من المكان واللحظة ، للجميل من الوظيفة والمعنى ... كلها مواقع ولحظات تجعلي أسكر بالسعادة التي أبحث عنها ، وبالتالي تساعدني على أن أغفر لهذا العالم كثيرا من خبثه وجنونه .

 

ـ س : هل لك من كلمة أخيرة ؟

 

ـ ج : من الصعب أن تكون لي كلمة أخيرة ، فالكلمة الأخيرة بمثابة حكم نهائي يمكن إصداره حين تتضح الأشياء ، ولا أعتقد أنها كذلك . ولكن ، بالنسبة لكلمتي الأخيرة لهذا الحوار ، لن أتأخر في البوح بما يلي ، وهو حقيقة أعيشها وأشعر بها ، وقد تصدم العنصريين وتزيد من تعنتهم ، ولكني أقولها ومفادها أني ـ من غير اعتراف رسمي وطني ودولي بأمازيغية كل أرض أما

Publié dans culure berbère

Commenter cet article