حوار مثير مليكة مزان..1

Publié le par uyidir

الأمازيغية .. إسلام المستقبلْ

عنوان حوار مثير للشاعرة الأمازيغية مليكة مزان *

( أجرى الحوار الشاعر الأمازيغي المقيم بهولندا الأخ حسين أكروح )

ـ س : من هي مليكة مزان قبل أن تخوض تجربة الكتابة ؟

ـ ج : مليكة مزان ، قبل أن تخوض هذه التجربة بحلوها ومرها ، هي نفس الإنسانة الكاتبة التي تحاورها اليوم بكل غضبها وتمردها ، فلقد كان التمرد والرغبة في التغيير ، مع كل العناد المصاحب لهما ، صفات طبعت شخصيتي منذ الطفولة . إن مليكة الطفلة كأنها لم تكن تنتظر غير أن تكبر وتنضج كأنثى واعية ومتمردة ، وأن تتوفر لها بعض الشروط الموضوعية لتخرج من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل . وأعتقد أن هذه الشروط توفرت لي دفعة واحدة بعد سفري إلى أوربا وأنا إنسانة راشدة ، حيث وجدت هناك دواعي كثيرة للكتابة ، ووقتاً كافياً للتفرغ لها بعد أن تركت عملي كأستاذة لمادة الفلسفة بالرباط ، ولزمت البيت .

إن كل ما فعلته مليكة مزان الكاتبة ليس غير الوفاء لمليكة الطفلة التلميذة ، فالطالبة الجامعية ، فالأستاذة المقيدة بالواجب اليومي ، وفاء تمكنت منه وهي تستغل ما جد من ظروف مواتية للإعلان عن نفسها إنسانة منذورة للكتابة منذ البدء ، منفلتة بصوتها من كل أشكال القهر والإحساس باليتم والغبن .. لتقول لا وكفى والآن ...

نعم هي نفس الإنسانة التي تعشق الوطن الآن حد الجنون ، نفس الإنسانة التي تكره النفاق وتقاوم القبح وتلعن الجبن ، نفس الإنسانة التي ما تزال تحلم بحياة أطيب ومغرب أعدل ، أي أكثر عقلانية وديموقراطية ، أي أكثر أمازيغية حتى لا نقع في التناقض أو الكذب أو التلاعب بكثير من حقائق الجغرافية والتاريخ .

لقد لازمتني الرغبة في مباشرة الكتابة/الاحتجاج/التغيير كفعل ضروري وجميل منذ وعيت الحاجة إليه وانتبهت إلى جدواه . وقد تم ذلك الوعي في سن مبكرة منذ أيام الدراسة الثانوية تحت ضغط الحرمان والفقر ، وتحت وابل الشتم والقذف في حق أمازيغيتي من طرف بعض التلاميذ وأطفال الحي .

في هذا الإطار كتبت نصوصي الأولى ، ولكنها نصوص سرعان ما انتهى بها الأمر إلى سلة المهملات نظرا لغياب التشجيع والتوجيه ، وما كتاباتي الآن سوى انتقام من ذاك الماضي الطفولي القاهر ، وإشباع فعلي لرغبتي في مواصلة الاحتجاج والرفض ، والتزام مني إجباري لم أكن لأفلت منه .

ـ س :  هل كان المحيط الذي نشأت فيه مهيأ لاستقبالك كصوت شعري ؟

ـ ج : محيط النشأة لم يكن مهيأ لاستقبالي كصوت له احتياجاته واحتجاجاته ، كان محيطا شحيحا وجارحا ، مما جعله سببا في انفجاري بكل تلك المرارة وذلك العنف الصادم ، بل مازال هذا المحيط يزداد إصرارا على تعامله الجاف مع نبرات هذا الصوت ، سواء في لحظات وداعته وتسامحه ، أو في نوبات غضبه وتمرده  . هو تعامل كان منتظرا من محيط له منطقه وأولوياته ، وله حساباتها الخاصة ، وله كذلك أوهامه ومخاوفه . محيط ما زلت لا أجد فيه جهة واحدة تستقبل صوتي بما كنت أنتظره من تفهم وتشجيع . ويبقى علي ، في أحوال كهذه ، أن أدير ظهري لكل الإحباطات ، وأحمي صوتي من قسوتها حتى لا يموت ؛ فهو التحدي الوحيد الجميل الذي أصر به على الحياة ، كما أنه وسيلتي الوحيدة لإبلاغ رسالتي الفنية والإنسانية .

ـ س : إن عنف الواقع وقسوة المحيط الذي نشأت فيه جعل منك صوتا يتميز بجرأة عالية وتمرد نوعي ، هل هو تمرد على ذات الشاعرة أم على ذات الآخر ، أم على ذات المجتمع الذي لم يتفاعل مع نبرات صوتك ؟

ـ ج : كل عنف لا بد له من أن يستدعي عنفا ما لمواجهته .. هذه آخر قناعاتي . كنت فيما مضى وديعة في تعاملي مع كل عنف ، على أساس أن العقل والحياة والحب أمور ترفض العنف كموقف وحل ، ولكن ما أن أحسست بعدم جدوى تلك الوداعة في التعامل مع واقع قاس وعنيد حتى أسرعت إلى تغيير موقفي . فعلى قدر ما يكون هذا الواقع عنيفا ووقحا بقدر ما يجب أن يكون التمرد عليه أقوى ، والجرأة على مواجهته عالية . هذا الواقع العنيف لا يستحق سوى أن نوجه له صفعات قوية لعل ضميره يستيقظ ؛ هذا إن بقي له من ضمير ونحن نلاحظ ما نلاحظه من تردي الروح بل والعقل أيضا . صفعات تكون بمثابة زلزال قوي لخلخلة الحياة ، وإعادة النظر فيها ، والعمل على بنائها بناء جديدا وفق ما تقتضيه مصلحة الإنسان كقيمة عليا ، وإلا ظلت وقاحة الواقع سيدة كل المواقف ، ومضى الإنسان ضحية لكل واقع مفلس .

أعترف أني مؤخرا صرت أكثر جرأة مما مضى في تعرية الواقع ، كل واقع ، كما دشنت تمردا على مختلف الواجهات ، تمردا على الذات ، على الآخر ، كل آخر ، الآخر القريب الشبيه ، والآخر البعيد المخالف ، وكذلك واقع العلاقات بين كل هذه الأطراف .

هي جرأة على التمرد ، وجرأة أيضا على المواجهة الصريحة ، مواجهة الجميع بنفس العنف وبكثير من الرفض .. رفض الصمت / الجبن ، والنفاق / الخداع ، والخيانة / الاستسلام . هي جرأة أعتبرها رمز قوتي وصمودي أمام ضعف الذات وخذلان الآخر ، فردا كان أو جماعة ؛ جرأة أسجل بها انفلاتي الأصيل من قبضة كل قهر وعنف ، عنف أعرف أني إن لم أواجهه بما يكفي من شجاعة كان مصيري الانهيار والجنون ، أو على الأقل الخيانة . وكلاهما لن يجدا عندي سوى الرفض تلو الرفض .

ـ س : كشاعرة أمازيغية وظفت اللغة العربية كأداة للتعبير عن الوشم والجمال والجرح الأمازيغي هل تشعرين بنوع من الاغتراب بعدم استعمالك وتوظيفك للغة الأمازيغية كلغة قريبة إلى النص أم أن اللغة العربية كانت كافية للتعبير عما تريدين ؟

ـ ج : اللجوء إلى لغة أخرى للكتابة والتعبير ظاهرة معروفة لدى مثقفينا الأمازيغ ، وعبر كل مراحل عيشهم تحت هيمنة الثقافات التي غزت بلاد تمازغا ،  إذ نجد منهم ، ومن قبل الغزو العربي ، من كتب باليونانية ومن كتب باللاتينية . ولست أدري ما كان الداعي لديهم إلى هذا المنفى الثقافي ، وهل كان منفى اضطراريا أم منفى اختياريا تفسره فقط الرغبة في الترجمة المباشرة لانشغالاتهم الفكرية والوجدانية حتى يطلع عليها الآخرون .

عامة عرف عن الأمازيغ ومنذ القديم هذا الميل إلى الكتابة بلغة الغير ، بل والإعلان عن ولائهم التام للغرباء ، وكذلك تسمية الذات والأبناء بأسماء من ثقافات هؤلاء ، والنتيجة كانت تفقير الثقافة المغربية حد النزف بل حد ما يشبه الانقراض والموت . وأعتقد أن اللحظة التاريخية التي يعيشها العالم الأمازيغي الآن ، لحظة النهضة والانبعاث ، جاءت لتصحح أخطاء الأمازيغ الأولين ، ولتنقذ ما بقي من الذات الأمازيغية الصامدة أمام كل أشكال المحو التي هددتها ، سواء من الداخل على يد الأمازيغ أنفسهم وبسبب تواطؤهم وشدة غبائهم ، أو على يد الغرباء الغزاة .

شخصيا أحس وأنا أكتب بالعربية باغتراب مرير فظيع ليس لي أن أنجو منه ، ذاك أنها ليست لغتي بل لغة غريبة دخيلة على وجداني ، لغة فرضت علينا فرضا من طرف العرب الغزاة ، هؤلاء الغزاة الذين ، وهم يدرجون الآن لغتنا الأمازيغية في البرامج الدراسية  ـ من أجل عقد ، في ما يبدو على الأقل ، نوع من التصالح مع الذات المغربية تفاديا لمزيد من اجتثاث هويتها الأصلية ، ودفعا منهم لكل ما يمكنه ـ تبعا لذلك الاجتثاث ـ أن يزعزع استقرار البلاد ووحدتها ـ لم يدرجوها كغاية في حد ذاتها ، بل اعتبروها مجرد مادة يستأنس بها التلاميذ في تعلم اللغة العربية . وفي ذلك استخفاف بنا وبلغتنا الأم وبمشاعر الجماهير الأمازيغية الغفيرة أي ما استخفاف !

لذلك أرى أن أحسن انتقام من سلوك عنصري كهذا هو اعتبار لغة هؤلاء الغزاة مجرد وسيلة يلجأ إليها كل من حرم مثلي من لغته الأم لإرسال صوته من العدم ، وللتعبير عن جراحاته الأمازيغية العديدة والعميقة ، والتي هي جراحات هذا الشعب الذي قدم من دمائه ومن تضحياته الشيء الكثير فقط لينعم هؤلاء القلة بخيرات مغرب الاستقلال على حساب القاعدة الأمازيغية الواسعة .

نعم إن الكتابة باللغة العربية في نظري اغتراب مر كأي اغتراب آخر ، ذاك أن الوجدان ، الذي انبثقت منه كل قصائدي المكتوبة باللغة العربية ، كان وما يزال وجدانا أمازيغيا محضا . إن لغتي الأمازيغية المحاصرة المغيبة هي اللغة الوحيدة التي كان من الممكن أن تعبر بكفاية كريمة جدا عن هذا الوجدان ، ولكني للأسف لم أكتب بها قط ، ولسبب واحد هو عدم إتقاني لها ، لا كلغة تواصل يومي شعبي ، بل كلغة خلق وإبداع تحاصرها سياسة التعريب الجهنمية التي تتربص لنا ، ومنذ الصغر في المدن والبوادي ، لتمحو ما تبقى من ملامحنا الأمازيغية الثقافية منها والوجدانية .

لكنها سياسة ، إن نجحت في تعريب ألسنتنا ، ما لها أن تنجح أبدا في تعريب أرواحنا ووجداننا وقناعاتنا . لقد كان على النخبة العربية الحاكمة أن تدرك باكرا هذه الحقيقة ، وأن تتصرف بذكاء وعدل مع الشعب المغربي الأمازيغي ، بدل كل هذه السياسات الاستئصالية التي لم ولن ينتج عنها سوى إحساس المواطنين بمزيد من القهر ، وبالتالي بضرورة الرد عليه وبكل أشكال الاحتجاج والصمود والرفض .

يوم أسمع قصائدي تلقى باللغة الأمازيغية ربما لن أتوقف عن البكاء ، تماما كما لا أتوقف عن الانفعال العميق وأنا أستمع لأي أغنية أمازيغية للفنان الرائع محمد رويشة ، أو لأي موال من مواويل الفنانة الجميلة شريفة مع أني في كثير من الأحيان لا أفهم مضامين كل ما أستمع إليه. وهنا ألتمس من المترجمين الأمازيغ أن يكرموا إخوتهم الكتاب المغتربين في اللغات الأجنبية بأن يعيدوا كتاباتهم إلى لغتها الأم ، لغتها التي كان من المنتظر أن تخرج بها ومنها إلى العالم ، لولا سياسة أولئك الذين أجرموا في حق ثقافتنا ووجودنا ، معتقدين أنهم بذلك يخدمون غايات نبيلة ، في حين أنها غايات بعيدة كل البعد عن إكرام الإنسان ، ذلك الإكرام الذي لن يكون بغير احترام حقه في الاختلاف كما خلقته الطبيعة ، وكما توصي بذلك كل الأديان ، السماوية منها والوضعية ، وكل القوانين والأعراف الدولية .

a suivre ...

 

Publié dans culure berbère

Commenter cet article